تعطل توثيق الجرائم والمساءلة.. أزمات التمويل والسيولة تلاحق ملفات الأمم المتحدة

ضمن فعاليات الدورة الـ61 لمجلس حقوق الإنسان

تعطل توثيق الجرائم والمساءلة.. أزمات التمويل والسيولة تلاحق ملفات الأمم المتحدة
مجلس حقوق الإنسان - أرشيف

في وقتٍ تتسع فيه رقعة الأزمات الإنسانية حول العالم، من النزاعات المسلحة إلى الكوارث المناخية والانهيارات الاقتصادية، تبدو الحاجة إلى منظومة دولية قوية لحماية حقوق الإنسان أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. 

غير أن هذه المنظومة نفسها تجد اليوم أنها تواجه اختباراً صعباً، لا يتعلق فقط بالإرادة السياسية للدول، بل بقدرتها على الاستمرار في أداء مهامها الأساسية في ظل أزمات تمويل غير مسبوقة.

فمع استعداد مجلس حقوق الإنسان لعقد دورته الحادية والستين في جنيف، خلال الفترة من 23 فبراير الجاري حتى 31 مارس المقبل، تبرز مؤشرات مقلقة على أن نقص التمويل وأزمة السيولة التي تضرب الأمم المتحدة باتت تؤثر بشكل مباشر على عمل الآليات الحقوقية، فتعذر إعداد تقارير أساسية، من بينها موجز حلقة النقاش بشأن الحق في مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي، لا يمثل مجرد خلل إداري، بل يمس جوهر الحق في المتابعة والمساءلة، ويضعف قدرة المجلس على رصد التقدم أو التراجع في قضايا تمس حياة ملايين البشر.

الحق في الماء والصرف الصحي ليس بنداً تقنياً في جدول أعمال، بل هو حق أساسي مرتبط بالكرامة الإنسانية والصحة والحياة نفسها، خاصة في المجتمعات التي تعاني الفقر أو النزوح أو آثار النزاعات، وعندما تعجز المؤسسات الدولية عن توثيق النقاشات أو إصدار تقاريرها الدورية بسبب قيود مالية، فإن ذلك يثير تساؤلات أعمق حول استدامة نظام الحماية الدولي، وقدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه الفئات الأكثر هشاشة.

ومن هنا، لا تبدو أزمة التمويل شأناً داخلياً يخص الأمانة العامة فحسب، بل مسألة حقوقية بامتياز، تمس مصداقية النظام متعدد الأطراف، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية إعادة تأكيد دعمه العملي -وليس الخطابي فقط- لآليات حماية حقوق الإنسان في مرحلة تتزايد فيها التحديات وتتقلص فيها الموارد.

وطالت أزمة السيولة ملفات أمنية بالغة الحساسية، حيث أعلنت الأمانة العامة في مذكرتها حول "المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وفي الجولان السوري المحتل"، أنه تعذر إعداد التقرير المطلوب من اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق، وتبين المذكرة أن اللجنة لم تتمكن من تحديد "هويات المستوطنين المتورطين في أعمال العنف" بسبب أزمة السيولة المستمرة التي تعصف بالأمم المتحدة، رغم المطالبات المتكررة في قراري المجلس رقم 32/55 و28/58.

ضمان المساءلة والعدالة

يتناول التقرير السنوي للمفوض السامي "حالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، والالتزام بضمان المساءلة والعدالة"، ويشير التقرير، الصادر وفقا لقرار المجلس رقم 28/55، إلى التحقيقات المعقدة بشأن "نقل أو بيع الأسلحة والذخائر وقطع الغيار إلى إسرائيل"، وتحليل العواقب القانونية لهذه العمليات في ظل استمرار المواجهات العسكرية في غزة منذ أكتوبر 2023، مع التأكيد على ضرورة تطبيق القانون الدولي الإنساني.

ومن جانبه، يستعرض الأمين العام للأمم المتحدة، في تقريره حول "التدابير المتخذة لتنفيذ قرار مجلس حقوق الإنسان 8/9 والعوائق التي تحول دون تنفيذه"، التحديات الهيكلية التي تواجه نظام هيئات المعاهدات.

ويشير التقرير إلى وجود فجوات تعوق كفاءة هذه الهيئات، داعيا إلى ضرورة إصلاح النظام لضمان استجابة أسرع للتقارير الدورية ومعالجة تراكم الأعمال، مع الإحالة إلى قواعد البيانات الرقمية لتغطية نقص المعلومات الورقية.

وتطرح الأمانة العامة، في مذكرة تحت عنوان "سلامة الصحفيين ومسألة الإفلات من العقاب"، إحالة المجلس إلى التقرير المقدم للجمعية العامة في دورته الثمانين، ويركز هذا الملف بشكل خاص على حماية الصحفيين الذين يغطون قضايا "تغير المناخ والبيئة والكوارث"، حيث إن استهداف الكوادر الإعلامية في هذه المجالات يمثل تهديداً متزايداً يستوجب تفعيل شبكة الأمم المتحدة المشتركة بين الوكالات.

تنسيق الجهود العالمية

يتناول المجلس مذكرة الأمانة العامة المتعلقة بملف 'الإرهاب وحقوق الإنسان'، حيث قررت الأمانة، تفادياً للتكرار وضماناً لوحدة الموقف الدولي، إحالة أعضاء المجلس إلى التقرير الشامل الذي أعده الأمين العام للأمم المتحدة (الوثيقة رقم A/80/380).

ويهدف هذا الإجراء التنظيمي إلى تنسيق الجهود العالمية في مكافحة الإرهاب، مع التشديد على ألّا تكون هذه الجهود ذريعة للمساس بحقوق الإنسان الأساسية، ما يعكس توجهاً أممياً جديداً لتوحيد الرؤى بين الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان تجاه هذه القضية الشائكة".

وتوضح الأمانة العامة، في مذكرتها المعنونة "موجز حلقة النقاش التي يعقدها مجلس حقوق الإنسان كل سنتين بشأن التدابير القسرية الانفرادية وحقوق الإنسان"، أن النقاش في الدورة الحالية سيركز بشكل دقيق على "أثر التدابير القسرية والإفراط في الامتثال لها على الحق في الغذاء والأمن الغذائي".

تأتي هذه الحلقة تنفيذاً لقرار المجلس رقم 3/58 بمشاركة المقررة الخاصة المعنية بهذا الملف لتقديم توصيات عملية لمواجهة الآثار السلبية لهذه التدابير.

ويتناول المجلس ملف "الأطفال والنزاع المسلح"، وهو تقرير الممثلة الخاصة للأمين العام الذي يغطي الفترة من ديسمبر 2024 إلى ديسمبر 2025، ويوضح التقرير حجم المأساة التي يواجهها القاصرون، مع التركيز على الانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها، ومطالبة المجتمع الدولي بتقديم "تمويل كافٍ" لبرامج إعادة الإدماج ومنع تجنيد الأطفال، محذراً من أن نقص التمويل يهدد مباشرة حياة الآلاف من الضحايا الصغار.

يشدد هذا الاستعراض الشامل لثمانية ملفات رئيسية على أن المنظومة الحقوقية الدولية تمر بمنعطف خطير؛ حيث تحولت "أزمة السيولة" من مجرد عقبة إدارية إلى أداة تسببت في "تغييب المعلومات" وتعطيل التقارير الرقابية، ما يضع مصداقية المساءلة الدولية على المحك في الدورة الـ61 المرتقبة.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية